ابن الحنبلي
مقدمة 3
در الحبب في تاريخ أعيان حلب
ولما غزا الصليبيون بلاد الشام أصبحت حلب مركز القيادة الحربية لحماية الحدود الشامية المصرية من الصليبيين حكام أنطاكية ، ثم اجتاحها التتر سنة 658 ه فخلّفها قاعا صفصفا ، غير أنها ما عتمت أن دبت فيها روح النهضة مع اقتراب نهاية القرن السابع للهجرة ، فحققت تقدما ملموسا . وخلال ذلك حكمها الزنكيون والأيوبيون ومن خلفهم من المماليك إلى أن دخلها العثمانيون عام 1516 م وقد اصطبغت هذه الفترة بالذعر والأهوال ، فما أبقى عليه هو لاكو اجهز عليه تيمور لنك وكان إرهاق المماليك للعرب توطئة للعثمانيين الذين حكموا حلب في القرن العاشر الهجري الذي عاش فيه ابن الحنبلي مؤلف هذا الكتاب . وقد أصبح المجتمع الاسلامي مزيجا تعددت فيه العروق وتنوعت فيه الأجناس وكثرت فيه الملل ، فالمغول في المشرق والسلاجقة في الشمال ، والمماليك في الشام ومصر . وغدت حلب أيام الدولة العثمانية ولاية يحدها من المشرق ولاية ديار بكر ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط ومن الشمال ولاية سيواس ومن الجنوب لواء حماة ، وعلى هذا فقد امتدت حدودها من البحر الأبيض المتوسط غربا حتى نهر الخابور شرقا ، وأصبحت تتألف من ثلاثة ألوية هي : لواء حلب ولواء اسكندرونة ولواء دير الزور ، وأصبحت الثغر الاسلامي الثاني بعد القسطنطينية وازمير . وكانت حلب - ولا تزال - بلد العلماء والمحدّثين والأدباء ، فيها نشأ الجم الغفير من العلماء فأصبحت محط رحال طلاب العلم ورواد المعرفة . فقد أمّها من العلماء شيخ الإسلام أبو داود وأحمد بن حنبل وسعد الدين ابن الشيخ محيي الدين ابن عربي ، وكانت مراح ومرتع عدد من فحول الأدباء وعلماء اللغة وأساطين الشعر وجهابذة الفلسفة والعلوم كابن خالويه والمتنبي وأبي علي الفارسي وأبي نصر الفارابي ، وانصرف قطّانها زمن الدولة المرادسية إلى العلوم العقلية والنقلية فتدارسوها في المساجد والبيوت فبلغت مدارسها - بعد أن خربها تيمور لنك وقتل علماءها - زهاء ثلاثمائة مدرسة عدا المساجد ودور القرآن والحديث .